إشراقة

 

 

 

 

عندما تختلف صورةُ الشيء عن حقيقتِه

 

 

 

 

 

     ربما يحدث أنّه إذا سَمِعْتَ عن شيء أو شخص ولم يُتَحْ لك أن تراه بعينيك، فإنّ مُجَرَّدَ السَّمَاع يُكَوِّن في ذهنك صورةً له، فإن أُتِيْحَ لك بَعْدُ أن ترى الشيءَ أو الشخصَ، وكان الشيءُ أو الشخصُ مُطَابِقًا للصورة التي تَخَيَّلَها الذهنُ، يكون الموقفُ سارًّا لك جدًّا، ولا يأخذك عجبٌ؛ لأنّك قد وجدتَ الشيء أو الشخصَ كما تخيّلتَه؛ لكنّ الصورة المُتَخَيَّلَةَ إذا لم تكن مُطابِقَةً للصورة الحقيقيّة، يحدث أنّه لايكون الموقفُ سارًّا فقط، وإنما يكون إلى جانب ذلك مبعث صدمة كبيرة وحزن وأسف بالغين، وقد تَتَمَنّى: يا ليتَني لم أَرَه !.

     كنّا نقرأ عندما كنّا صغارًا فيما نقرأ ونسمع فيما نسمع قصصَ الحكماء – الأطباء بالطبّ اليونانيّ العربيّ – كما يُتَاح لنا بعضَ الأحيان أن نرى صورًا – حقيقية أو وهمية – لبعض الحكماء الذين دَرَجُوا في العهود الإسلاميّة . وذلك في الكتب الأردية السهلة العبارة التي كانت قد أُلِّفَتْ للأطفال، فاسْتَقَرَّ في أذهاننا أنّ الحكماء لايكونون إلاّ مُلْتَحِيْنَ ملتزمين بالدين وآدابه ولايكونون غيرَ ذلك في حال من الأحوال؛ لأنّ صورهم التي رأيناها في الكتب كانت تُمَثِّلُهم ذَوِيْ لُِحىً مُتَقَيِّدِين بالمظهر الإسلاميّ؛ ولأننا نقرأ تراجمَهم التي تُصَوِّرُهم ملتزين بأخلاق وصفات لايكون عليها إلا من يعمل بالدين ويأخذ بشرائعه مظهرًا ومخبرًا، بما فيها الرحمة بالضعفاء والمرضى، والزائرين لتَلَقِّي العلاج، ومعالجة الفقراء والغرباء مجّانًا، وتَنَاوُلُ المحتاجين للعلاج بالمواساة الصادقة التي لاينالونها إلاّ في بيوتهم أو لدى الأطباء، الذين تَعَلَّمُوا أخلاقيات الطب والعلاج، والتعامل اللائق مع المرضى، قبلَ أو مع تعلّمهم فنَّ الطب ومهنةَ العلاج . وذلك أوّلُ درجةٍ في سُلَّم النجاح في ممارسة الطبّ والعلاج، ومن لم تَسْتَقِرَّ قدماه عليها – من الحكماء والأطبّاء – لن يَتَمَكَّنَ من صعود الدرجات التي فوقها من سلّم النجاح .

     ثم بلغنا الوعيَ، وأَنْهَيْنَا المرحلةَ الابتدائيةَ من الدراسة في قريتنا، وأُتِيْحَ لنا أن نخرج منها إلى المدن والقرى الجامعة التي تَحْتَضِنُ مدارسَ ثانويةً وعاليةً وجامعاتٍ؛ لنستكمل الباقيَ من المشوار التعليميّ، فاَتَّفَقَ لنا أن نزور مستشفيات كان لاعهدَ لنا بها، وأن نزور حكماءَ وأطبّاءَ لم نعرفهم من قبلُ، وأن نتلقّى منهم العلاجَ لدى الحاجة، ففُوجِئْنَا مع الأسف الشديد والعجب البالغ بأنّ معظمهم لم يكونوا مطابقين للصور الجميلة الرائعة السارّة التي الْتَقَطَتْهَا أذهانُنا للحكماء الذين سَمِعْنَا عنهم أو قرأنا في الكتب ممن دَرَجُوا في العهود الماضية، التي كان فيها للدين والأخلاق والقيم سلطان على القلوب والعقول والجوارح جميعًا؛ حيث وجدناهم محلوقي اللُّحَىٰ، مُتَحَرِّرِيْنَ من كلّ شيء يُطْلَقُ عليه اسمُ الدين، فضلاً عن آدابه وأخلاقه وأخلاقيات الطب والعلاج، وإن وجدنا عددًا منهم حاذقين في الفنّ، بارعين في تشخيصِ الداء ووصفِ الدواء وذوي تجربة ناضجة في ممارسة العلاج، فالعلاجِ الشافي بإذن الله . فإذا وجدناهم – أي كثيرًا منهم – أفظاظاً غلاظ القلوب جاهلين جهلاً مُطْبِقًا بأخلاقيات الطبّ وآداب العلاج، يتناولون المرضى بسوء المعاملة؛ بل بالزجر والملام، ويقولون لهم : لماذا زِدْتَهم أمراضَكم ولم تهتمّوا بعلاجها في وقتها، بل يُعَيِّرُونهم بها . وقد حَدَثَ لي مثلُ ذلك أكثرَ من مرة؛ حتى صرتُ أُفَكِّر بعضَ الأحيان أني لن أزورَ طبيبًا مدة حياتي؛ لكن العقل ظلّ يغلب دائمًا العاطفةَ ، وحكمُ الشرع ظلّ دائمًا ينال الأولويةَ مقابلَ مقتضى الطبع .. إذا وجدناهم كذلك لم نستغرب؛ لأنّ التقيد بالدين والشرع ، والقيم والأخلاق ، هو الذي يُعَلِّم الرحمة بالمرضي ويُلَقِّن المعاملة اللائقة بهم؛ فمن تَجَرَّد من الأول، أصبح فارغًا من الثاني؛ لأن الأول أصل والثاني فرع، ولايكون للفرع وجودٌ ما لم يسبقه وجود الأصل .

     وكذلك علماء الدين عندنا – إذا لم يكونوا من سوء الحظّ غيرَ مُهْتَمِّيْنَ بالدين – يكونون بإذن الله وتوفيقه – وله الحمدُ والمنّةُ – ملتزمين بالشِّعار الإسلامي والمظهر الديني، مُلْتَحِيْنَ، مُحَافِظِيْنَ على الصلاة، ومُتَمَسِّكِيْنَ بالدين في كل أوجلّ أحكامه، ولايتجاوز ملابسُهُمْ – إزارُهم – الكَعْبَيْنِ، ولا تكون لُحَاهم أقصرَ من قدر الشبر، وتكون قُمْصَانُهم طويلةً فَضْفَاضَةً في الأغلب . ولو نَشَأُوْا على الدين، وتَعَوَّدُوا القيامَ بالدعوة والتبليغ، وتَشَرَّبُوا الصلاحَ، لما وَسِعَهُمْ إلاّ أن يعيشوا لحظاتِ حياتهم كلّها مُصْلِحِيْنَ أنفسَهم وأنفسَ غيرهم . تلك هي صورةُ علماءِ الدين عندنا إذا كانوا علماءَ دينٍ في الواقع، وليست لهم عندنا هويةٌ غيرُ ذلك . وهذه الصورةُ هي التي تَقَبَّلَتْها أذهانُنا لعلماء الدين وتأكّدنا أنّهم لايكونون إلاّ عليها . وبدأنا – لكوننا قد رأينا العلماءَ عليها وحدها – نَظُنُّ أن من لايكون عليها لايكون عالمَ دينٍ صادقًا وإنّما يكون عالمَ دينٍ قد انحرف عن مساره وشَذَّ عن الطريق السويّ الذي سلكه السلفُ الصالحُ والعلماءُ المتّقون، حتى إنّ من ينتمي لدينا إلى جماعة العلماء، ويكون مُقَصِّرًا في التَّقَيُّد بالهويّة التي رسمناها للعلماء، يزهد فيه جمهورُ المسلمين، وتتفادى منه عيونُهم، ويسيئون به الظنَّ لحدِّ أَنَّهم لايسترشدونه في أمور الدين، ولايُقَلِّدُونه مسؤوليّاتٍ دينيّةً من الإمامة والخطابة والإفتاء والقضاء، ولايرونهم أهلاً لذلك . حتى إن جمهورَ المسلمين إذا عَلِمُوا بشأن إمامٍ أو خطيبٍ أو مُفْتٍ أنّه يُدَخِّن السيجارةَ، لايرضون أن يُصَلُّوا خلَفه أو يستمعوا لخطبته أو يستفتوه في قضيّة من قضايا الدين. إنّ جمهورَ المسلمين على علاّتهم هم لاتطيب نفوسُهم أن يكون الناطقون بالدين مثلَهم أو دونهم في الاستجابة لأحكام الدين؛ لأنهم قدوةٌ، والقدوةُ لاتكون قدوةً إلاّ إذا كانت على مستواها ومُسْتَوْعِبَةً للمواصفات التي بسببها كانت قدوةً .

     لكننا عندما أُتِيْحَ لنا أن نتجاوزَ شبهَ القارة الهندية إلى غيره من البلاد الإسلامية والعربيّة، فوجئنا بأنّ كثيرًا ممن يُسَمَّوْنَ علماءَ، مَحْلُوقُو اللُِّحَىٰ أو هم ذوو لُِحىً سواءٌ إرسالُها وعدمُ إرسالها . وأمّا ملابسهم فهي لاتُمَثِّل مظهرًا من مظاهر الصلحاء ولاتشفّ عن هويّةٍ لعلماء الدين. ووجدنا كثيرًا منهم لايحافظون على الصلاة؛ فإن سنحت لهم فرصة صَلَّوْها وإلاّ فتركوها، وشعرنا كأنّهم بعضَ الأحيان لايتكلّفون التوضّئ، وإنّما ينضمّون إلى صفوف صلاة الجماعة دونما وضوء، بالإضافة إلى ما يُخِلُّون به من الآداب الإسلاميّة والصفات الإنسانيّة . أمّا إذا تحدّثوا عن الدين والإسلام، والإيمان والإحسان، والعقيدة والقرآن، والصلاح والإصلاح، ودعوة الدين، والصلاة والصيام والزكاة والحجّ، والأخلاق والسيرة والسلوك، والمواساة ونصرة المظلوم، وقمع الظالم، والجهاد مع الأعداء بكل من المال والنفس والقلم واللسان، وبكل أسلوب يقتضيه الموقف؛ فلا تَسَلْ عن قدرتهم الكلامية، وموهبتهم الخطابيّة، وإمساكهم بناصية الفصاحة والبلاغة، واقتدارهم على كل شيء يدهش المستمعين ويأسر عقولَهم ويأخذ بقلوبهم، حتى لاتستطيع أن تُوَفِّيهم حَقَّهم من الإشادة والتحبيذ؛ لكنّه إذا جَرَّبتهم في ساحة العمل، تجدهم صفرًا من جميع الوجوه، أو من كثير من الاعتبارات، ولاتجدهم على المستوى الذي ينبغي أن يكونوا عليه بصفتهم علماءَ الدين والناطقين بالإسلام والداعين إليه، على حين إنّ الدعاة والناطقين بالدين ينبغي أن يكونوا على المستوى الأرفع من العمل بالدين؛ لأنهم الأسوةُ التي قد يأتسي بها المدعوّون .

     إنّنا عند زيارتنا لعدد من البلاد الإسلاميّة والعربيّة وجدنا كثيرًا من الكتاب الإسلاميين، والمفكرين الإسلاميين، وفقهاء الدين، والعلماء والمشايخ على الهيئة التي لو وُجِدَ عليها العلماءُ والمفكرون والكُتَّابُ والفقهاءُ عندنا في شبه القارة الهندية، لَسَلَبَهم جمهورُ المسلمين صفة «الإسلاميين» ولاَعْتَبَرُوْهُمْ كلَّ شيء إلاّ أن يكونوا مُمَثِّلِيْن للدين الذي يبدون زاهدين فيه ولايبدون حريصين على ما يحرص عليه .

     إنّنا أَسِفْنَا جدًّا على هذا الموقف الذي فُوْجِئْنَا بمعرفته، وقلنا: إنّ الدين عند هؤلاء شيء لاثوابتَ له؛ بل إِمَّعٌ يتجاوب مع كلّ حال. وقد سَمِعْنا بعضَ من يودّون أن يعيشوا كما شاؤوا دون التزام بأيّ ممّا يَمُتُّ إلى الشارة الدينية بصلة: «اِرْتَدِ من الملابس ماشئتَ وَاجْتَهِدْ في العمل». لم نَدْرِ ماذا يعني العملُ عندهم، إذا لم يَعْنِ التقيِّد بالدين مظهرًا ومخبرًا . والتقيّدُ بالمظهر – كما يعلم الجميع – أسهل وأيسر من التقيّد بالمخبر؛ فمن لم يستجب للأوّل لايُتَصَوَّر أن يستجيب للثاني .

     إنَّ الإسلام لم ولا ولن يكسب خيرًا من هؤلاء؛ ومن هنا امتدّ «ظلُّ» الإسلام وانكمش حقيقتُه على يدهم وأمثالهم . إنّ الإسلام – كما هو الواضح – هو العملُ أكثر من أن يكون قولاً، والحقيقةُ قبل أن تكون – إذا سلّمنا – أسطورةً . إنهم «أشباهُ» العلماء والمفكرين الإسلاميين، وليسوا بالعلماء والمفكرين الإسلاميين . وجدنا كثيرين من المثقفين – ولاسيّما بالثقافة الغربية العصرية – والمنبهرين بالحضارة الغربيّة يحاولون جهدهم بعملهم وسلوكهم أن يجعلوا أوامرَ ونواهيَ الإسلام أُلْعُوْبَةً، ويزعمون أنهم أكثر فهمًا للإسلام وطبيعته الْمَرِنَة، وللعصر ومقتضياته، والحاضر ومتطلباته؛ وأكثر قدرةً بعملهم – ذلك الذي أشرنا إليه – على التوفيق بين الإسلام ومُقْتَضَياتِ العصر، من العلماء «المنغلقين» المتقيدين بكل شيء دعا ويدعو إليه الإسلام «الرجعي» القديم الذي لايتماشى مع العصر الحاضر المتقدم الذي يحتاج فيه المسلمون إلى الإسلام «العصريّ» «التقدمي» الذي هم في سبيل إيجاده وبلورته بعملهم وسلوكهم !!.

*  *  *

     وبمناسبة الحديث عن مطابقة الصورة الخياليّة للصورة الواقعية أو عدمها، يحلو لي أن أُفَاكِهَ القارئ الكريم بذكر قصّة طريفة مُعْجِبَةٍ حَدَثَتْ لي لاتزال ذكراها حَيَّةً حُلْوَةً في مخيّلتي: في عام 1403هـ/1983م كنتُ في مدينة الرياض أُشَارِكُ في الدورة القصيرة لتدريب مُعَلٍّمِي اللغة العربية لغير الناطقين بها . وذاتَ يومٍ كنتُ مارًّا بحارة في منطقة مستشفى الشُّمَيْسِي مُتَّجِهًا إلى بيت الأخ الأستاذ سعيد أحمد الإله آباديّ نجل الشيخ الصالح قمر الزمان الإله آبادي حفظه الله . وكان بمقربة منه أيامَ ذاك مقرُّ الرئاسة العامّة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد – التي كان رئيسها العامّ سماحة الشيخ العلاّمة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله المتوفّى 1420هـ/1999م – وكان صغارٌ عربٌ يتلاعبون في فسحة من الحارة، وكنتُ بالزيّ الذي يرتديه في الأغلب علماءُ شبه القارة الهندية في المناسبات والأسفار، أي في الشيرواني والسروال؛ فما إن وقعت أنظارهم عليَّ حتى قال اثنان منهم: «هذا كاتبٌ». ولم يكونا – كما هو الواضح – مجربين ولا محيطين بأحوال الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم، ولاعَرَّافين ولا قارئين في الأكفّ ولا وليين حتى يُحْمَل قولُهما على الكشف؛ فتعَجَّبْتُ كثيرًا وبقيت أسيرًا للعجب أيّامًا، وكاد العجب لايفارقني . وقد ذكرتُ ذلك مُفَصَّلاً للأخ سعيد أحمد، فصار مأخوذًا بالعجب مثلي . ثم تَوَصَّلْنَا خلال تبادلنا الآراءَ وخوضِنا في البحث والتَأَمُّل : إلى أنهما ربّما يكونان قد سَمِعَا على لساني والديهما أو ألسنة مشايخ الأسرة أو الأساتذة أن الكتب أو الصحف التي يقرآنها يكتبها «الكاتب» و «الْمُؤَلِّف». ويكونان قد كَوَّنَا لدى سماع كلمة «الكاتب» أو «المُؤَلِّف» صورةً له في ذهنيهما عجيبة، وبما أن ملابس العرب تختلف عن ملابسنا، فما إن رآياني بهذه الهيئة المُتَكَوِّنة من الشيرواني والسروال وغيره حتى ظَنَّا أنّ «الكاتب» أو «المُؤَلِّف» ربما يكون على هذا الشكل الغريب أو على مثله، فما لَبِثَا أن نَادَيَا: «هذا كاتب» . إننا تَعَلَّلْنَا بهذا التعليل، وما تَأَكَّدْنَا منه ولكننا اكتفينا به وقلنا: إنهما يكونان قد فَكَّرَا هذا التفكيرَ . وتَأَكَّدْ أيها القارئ الكريم ! أني ظلتُ – ولا أزال – كلما ذكرتُ القصةَ عَاوَدَنِي هذا العجبُ الحلوُ، غير أن مرورَ الأيَّامَ خَفَّفَ حِدَّتَه، فلم يَعُدِ العجبُ على حلاوته تلك، كما هو الحالُ مع كثير من عجائب الزمان وطرائف الدهر . وكلُّ شيء فانٍ ويبقى وجهُ ربّك ذي الجلال والإكرام .

 

(تحريرًا في الساعة التاسعة صباحًا من يوم الاثنين: 11/ شوال 1426هـ  = 14/نوفمبر 2005م).

أبو أسامة نور

*  *  *

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، الهند . ذوالحجة 1426هـ = يناير 2006م ، العـدد : 12 ، السنـة : 29.